دخل الإخوان المسلمون فى مصر مرحلة جديدة بإعلان نتائج انتخابات مكتب الإرشاد الجديد والتى تمت وسط غبار إعلامى كثيف وملاحقات أمنية متواصلة، وعاصفة من الخلافات لم تهدأ منذ شهور كانت نهايتها خلاف شديد بين المرشد العام وغالبية أعضاء مكتب الإرشاد الذى انتهت ولايته بالانتخاب، ثم بين النائب الأول للمرشد العام د. محمد حبيب والأمين العام وغالبية أعضاء المكتب فى مرحلة الإعداد للانتخابات وبينه وبين المرشد أيضاً على موعد الانتخابات وآلياتها.
لماذا الانتخابات الآن؟
كان من المقرر لائحياً أن يرحل المرشد فى هدوء ويترك موقعه للنائب الأول د. محمد حبيب حتى يحلّ موعد الانتخابات القادمة بعد ستة أشهر فى يوليو 2010، ولكن كان من الواضح أن غالبية المكتب القديم لا تتوافق مع النائب الأول فى كثير من الملفات وفي طريقة إدارة العمل، وتفجرت تلك الخلافات عقب عيد الفطر وتطايرت الأحاديث الصحفية من أطراف الخلاف الذى ظهر للعلن فى سابقة أخرى لم يعهدها الإخوان فى عصرهم الحديث وإن كانوا مروا بها فى تاريخهم القديم والوسيط فى عهدى الإمام البنا وخليفته الهضيبى الأب.
لتلك الأسباب ولإصرار المرشد على الرحيل ولقطع الطريق على حالة القلق والانزعاج التى أصابت جموع الإخوان فى مصر والعالم تم استفتاء مجلس الشورى الحالى على أمرين؛ الأول هو : هل يتم انتخاب لكامل أعضاء المكتب؟ فكان الأغلبية مع تجديد كامل لأعضاء المكتب.
الثانى: موعد الانتخابات، والتي جاءت نتيجة الاستفتاء الثانى مزيلة للالتباس الذي نجم عن حالة القلق ومؤيدة للإسراع فيها، وساعد على ذلك رذاذ التصريحات التى لم تتوقف رغم أن مجلس الشورى الجديد والذى هو المفترض أن يجرى الاختيار بين أعضائه لم تكتمل إجراءات انتخابه.
وعندما يثير البعض مدى قانونية هذه الانتخابات ومشروعيتها ويتحدثون عن ضرورة الإجماع ينسون أن هذا الإجماع مطلوب فى المجالس التنفيذية عندما يتم اتخاذ قرار ما بالتمرير، أما المجالس الشورية وعملية الانتخاب بالذات التى يتم فيها التفضيل بين مرشحين عديدين فإن الإجماع يكون مستحيل لتشتت الآراء، وبالتالى يكون اشتراط الإجماع هو من طلب المحال ويكون الرجوع إلى قواعد الأغلبية هو السليم، خاصة مع الأخذ فى الاعتبار الظروف القاسية التى تمنع الاجتماع، ودواعى السلامة والأمن وعدم الرغبة فى استمرار العمل بمادة الطوارئ التى عطّلت مجلس الشورى طوال السنوات الـ 15 الماضية. فضلا عن أن الانتخابات تمت فى لجان صغيرة وبالتصويت السري وليس بطريقة التمرير التى اعتاد عليها الآخرون بالتوقيع على ورقة واحدة على القرار أو الاختيار، ولعل مزيدا من الدراسة والآراء المتنوعة التى تشرح الأمر تعيد الثقة إلى النفوس. وإضافة الى ذلك فإن القياس على الهيئات العادية ونسيان الظروف التى يمر بها الإخوان تبين أن ذلك قياس مع الفرق الواضح، ويمكن القول أن الجميع لم يطرح تلك المسألة قبل إجراء الانتخابات بل جاءت بعد إتمامها وظهور نتائجها.
نطلب جميعاً الكمال ولكننا لن نصل إليه، وستظل أخطاؤنا تلاحقنا، ومع الإخلاص والصدق والرغبة فى تصحيحها نستطيع أن نكمل المسيرة التى تحتاج إلى الكثير من الصبر والمثابرة والمرابطة وتقوى الله تعالى.
اللوائح بها عوار ونقص
أدت العجلة لمواجهة الموقف إلى بعض الأخطاء ولكنها لا تقدح فى مدى مشروعية الاختيار. اللوائح بها عوار ونقص وتحتاج إلى مراجعة شاملة والسبب الرئيسى هو عدم تفعيلها بشكل كامل، وليس هناك اعتراض على تلك المراجعة التى يجب أن تتم فى هدوء دون ضغوط حتى تؤتى أكلها.
هناك خلافات فى الآراء، ولكن هناك فى المقابل إصرار على وحدة الصف وقطع الطريق على الشيطان وفيروس الانقسامات أو الانشقاق.
هناك عوائق تمنع الإخوان من الاجتماعات العلنية، ولكن فى المقابل هناك إصرار على إعمال الشورى وآليات الديمقراطية وإنهاء ستار السرية الذى يفرضه الأمن على الإخوان.
هناك ركود واعتياد على الإبقاء على القديم، ولكن فى المقابل هناك رغبة قوية فى التجديد والتغيير وضخ دماء جديدة.
هناك أزمة حاليا، ولكن سبقتها فى تاريخ الإخوان أزمات أشدّ وأخطر فى نهاية الثلاثينات ومنتصف ونهاية الأربعينيات وبداية ومنتصف الخمسينيات من القرن الماضى الميلادى. وقد كان إصرار الإخوان على تجاوز تلك الأزمات والتغلب عليها قوياً مهما كانت الخسائر.
هذه الجماعة قد تضعف، ولكنها سرعان ما تسترد عافيتها.
قد تمرض، ولكنها لا تموت أبداً.
قد تتعثر فى طريقها، ولكنها سرعان ما تقف على قدميها وتمضى فى طريقها من جديد رافعة الرأس شامخة تعلى راية الإسلام وتدافع عن قيمه ومبادئه وتجتهد فى تطبيقها .
قد تتعرض للأزمات والمحن، ولكنها تخرج منها بعافية أكثر وتصميم أشدّ على مواصلة المسير مهما كانت مثخنة بالجراح.
الجماعة كلها إصلاحية
يقول المحللون والمراقبون الذين لا يعيشون ما يعيشه الإخوان أن تياراً انتصر على تيار، ويسعون إلى تقسيم الإخوان إلى محافظين وإصلاحيين أو إلى متشددين ومعتدلين وينسون حقائق جليّة واضحة:
- أن هذه الجماعة كلها إصلاحية قامت لإصلاح النفس والبيت وإرشاد المجتمع وإصلاح الحكومات.
- أن الفرد الواحد قد يكون فى بعض مواقفه وآرائه متحفظاً أو محافظاً وفى غيرها إصلاحياً مجدّداً .
- أن الجماعة تسعى – وإن ببطء – إلى التجديد والمراجعة المستمرة .
- أن الجميع حريص على تماسك وقوة الجماعة وآليات التنظيم، وليس هناك من يريد إلغاء التنظيم بل تفعيله ورفع كفاءة الافراد وحسن سير العمل.
قد تكون أمانى عند البعض أو أوهام عند آخرين أو أخطاء فى التحليل عند المحللين، ولكن يبقى الحب فى الله والأخوة الصادقة هما ضمان احترام الاختلاف وعدم الانزلاق إلى الانقسام.
لقد أعلن الأخ الحبيب د. عبد المنعم أبو الفتوح الذى قضى أكثر من نصف عمره حتى الآن فى مكتب الإرشاد أنه لا يرغب فى التجديد ولا يرغب أن يطرح أحداً اسمه لموقع المرشد،.ووصلت رسالته إلى الإخوان ولكنها لم تصل إلى الذين يحللون نتائج الانتخابات، وهذا ما أعلنه المرشد مؤخرا.
لماذا خرج حبيب؟
نعم أخفق النائب الأول د. محمد حبيب فى الحصول على ثقة أعضاء مجلس الشورى لعضوية المكتب، لأنهم رأوا أن اختياره للعضوية وعدم اختياره لموقع المرشد وتركه لموقع النائب الأول سيكون أمراً صعباً، وكان الأفضل والأوفق والأجمل هو التوافق والتصالح على ذلك بمصارحة مرّة قبل إجراء الانتخابات، ويجب أن نتعود على ذلك بسلامة صدر وإخلاص وتجرد لله ومواجهة ومكاشفة. وهذا ما نصحت به قبل الانتخابات ولكن سارت الامور فى مسارها المقدور ولله الأمر من قبل ومن بعد. ولا شك أن هناك جهود مخلصة لاستيعاب جهده فى إطار آخر واقتراحات بأن يكون ذلك فى مجلس الشورى.
هل طويت تلك الصفحة من الأزمات ؟
فد يظن البعض ذلك ويتمنى الشباب لو لم يمروا بتلك الحالة النفسية الصعبة، ولكني أعتقد أن المهم هو كيف تكون الاستفادة من دروسها لمواجهة تحديات المرحلة القادمة قبل طيها وتجاوزها، وفيها دروس عديدة.
دروس الأزمة
أهم تحديات المرحلة القادمة هى استعادة ثقة الصف وخاصة الشباب، وفى هذا الصدد يجب البدء فى تعديل اللوائح وتصحيحها واستكمالها، وإعمال المادة الخاصة بعدم تولى موقع تنفيذى لأكثر من دورتين على كل المستويات التنفيذية، واعتبار كل المدد السابقة مدة واحدة والمدة التى بدأت بالانتخابات الأخيرة هى المدة الثانية.
وكذلك البدء فوراً فى دراسة آليات لتفعيل مجلس الشورى العام ومجالس شورى المحافظات بفصلها بقدر الإمكان عن المكاتب الإدارية والتنفيذية، وقرأت اقتراحاً أن يختار مجلس الشورى رئيساً له غير المرشد ومن غير أعضاء مكتب الإرشاد وكذلك أميناً عاماً ويشكل من بين أعضائه لجاناً لمراقبة أداء المكتب .
هذه الاقتراحات تأتى عبر القنوات التنظيمية، وقد نقرأها فى الصحف أو نسمعها فى برامج الفضائيات وقد تأتي من الإخوان وقد يكتبها أصدقاء ومحبو الإخوان أو حتى نقرأها فى نقد خصوم الإخوان أو المراقبون للشأن العام، ولكنها يجب أن تكون تحت نظر جميع الإخوان خاصة المؤسسات المعنية وفى مقدمتها مكتب الإرشاد الجديد ومجلس الشورى.
صحيح كما قال الأستاذ ضياء رشوان والمفكر د. رفيق حبيب أنه لا يجوز أن يفرض أحد على أى تنظيم أو جماعة ما أمرا لم ترسه بهدوء وروية، إلا أن الحاجة تدعو إلى الإسراع بمراجعة أمينة لكل ما جرى والاستفادة من كل الاقتراحات.
كماكان هناك اقتراح بتشكيل لجنة قضائية لحسم الخلافات والتحقيق فى أية تجاوزات، وهذا يحتاج إلى تفعيل نصوص اللائحة التى أقّرت ذلك.
وترسيخ الأخوة الصادقة يبدأ بسلامة الصدور التى أثقلتها خلال الشهور الأخيرة غيّوم كثيفة من الخلافات .
هذه الاختلافات لا تحسمها الانتخابات ولا الفوز بمقاعد، ولكن الحوار الموضوعى الهادئ فى ظل الحب فى الله والرغبة فى معالجة الأخطاء بعد الاعتراف بها.
إذا نجح الإخوان فى استعادة الثقة فى أنفسهم بطىّ تلك الصفحة فسيكونون أقدر على مواجهة حملات التشكيك والتشويه التى رسخّت صورة سلبية عنهم، وبالتالى يستعيدون ثقة الناس ويكملون مسيرتهم ومشروعهم لنهضة الامة، ويقدمون على مواجهة التحديات الخارجية باقتدار بإطلاق المبادرات الفردية وتوظيف طاقات الأفراد فى ظلال الحب فى الله، والعمل فى إطار الخطة العامة للجماعة واستراتيجيتها المقررة.
{ وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ} (يوسف: من الآية21) صدق الله العظيم




