لا شك أن كافة أشكال الحوار مطلوبة ومهمة. فالحوار مفهوم سحري، يعكس في كل أشكاله حالة ثقافية إيجابية ومنفتحة. وتزداد أهمية الحوار أضعافا عندما يتعلق الأمر بمحاورة الذات.
حوار الذات لا يحتاج لكلمات أو ألفاظ منتقاه، فهو حوار ذهني داخلي غير مسموع في العالم الخارجي.
نفسك التي بين جنبيك :
لا شك أن للحديث مع النفس أهمية كبيرة وتأثير قوي وشديد على الفرد والمجتمع، فالحديث مع الذات هو عالم فكري قائم بحد ذاته، فنحن عندما نستخرج الأفكار والمشاعر المخزنة في عقولنا بشكل يومي ومباشر, إنما نفكر مع أنفسنا بصوت مسموع, ونشكو إلى أنفسنا نسألها، نعترف لها، نعاتبها، ونسمع لنصيحتها، نؤنبها، نشكل قناعاتنا من خلالها...
والحديث مع النفس هو من أسرع الطرق التي يستطيع الإنسان التأثير بها على عقله الباطن وبالتالي التأثير على مشاعره وأحاسيسه، والتي تُتَرجم من خلال سلوكياته وتصرفاته اليومية، التي يتأثر بها ويؤثر ذلك في تعامله مع الآخرين سلباً أو إيجاباً , وحديث النفس يكون ايجابيا عندما يتعلق بتنمية ذواتنا وذوات الآخرين, أي عندما يكون من أجل بناء حياتنا البناء الصحيح, والعكس كذلك.
إذاً من أهم شروط الحوار، هو القدرة على التحاور مع الذات إيجابياً، والقدرة على فهمها وفهم احتياجاتها مع عرضها على ميزان الحق والعدل والإنصاف، وتجنيبها مزالق الظلم والغواية، وظلمات الحسد والحقد والبغضاء والظنون السيئة.
القناعات تبدأ بحوار مع الذات:
مخاطبة النفس بطريقة سلبية كأن تقول: (انا عصبي، أنا حساس، انا مزاجي، أنا لا أستطيع ترك التدخين، أنا لاأستطيع أن أعمل أو أعيش بدون تناول القات... الخ ) فإنك تبرمج عقلك بإشارات سلبية تستقر وترسخ في العقل الباطن ثم تصبح عادات وصفات متأصلة فيك.
والبعض يخاطب نفسه ويحاول إقناعها بأن غالبية الناس ضده، وأنهم يتآمرون عليه، ويعملون على إفشاله وغير ذلك من الحديث السلبي مع النفس، الأمر الذي يؤدي إلى قطع صلات التعامل مع من حوله من الناس، بل مع أقرب المقربين إليه، بسبب ظنونه ومحاورته السيئة مع ذاته.
كما أن مخاطبة النفس بالخوف من النتائج : الخوف عائق من عوائق النجاح تصنعه أوهامنا وخيالاتنا ويتراكم من حوارنا مع ذواتنا، ونصدقه حتى يتحول إلى حقيقة، من الصعب التخلص منه إلا إذا تغلبنا عليه بكل ما أوتينا من قوة الحوار وإقناع الذات، حتى يتلاشى من حياتنا.
كل ذلك يتحول إلى قناعات ذاتية سلبية.. وكثيرة هي الكلمات السلبية التي تتحول إلى قناعات نجعلها شماعة للفشل فكثيراً ما نسمع كلمة : مستحيل , صعب , لا أستطيع... وهذه ليست إلا قناعات سلبية مدمرة للحياة والفرد والمجتمع.. والإنسان الجاد يستطيع التخلص منها بسهولة... بدوام الحوار الإيجابي مع ذاته وحُسن ظنه بها.
يقول الألماني جوته ( اشد الأضرار التي يمكن ان تصيب الإنسان هو ظنه السيئ بنفسه (الذي يؤدي لأضرار بالغة الخطورة وتوليد أحاسيس سلبية هدامة تقلل من أداء أدواره في جميع مجالات الحياة.
محاسبة النفس:
إذا شعرت انك تتحدث إلى نفسك وتحاورها بما يقابلك من مشاكل على سبيل المحاسبة، أو ما يدور في رأسك من الوساوس فلا تبتئس أو تنزعج ؛ لأن الحديث إلى النفس يكون عندئذ وسيلة لتحديد الأفكار وتصحيحها ومحاولة للوصول إلى علاج لما يقلقك، ولعله يكون من باب محاسبة النفس قال الفاروق عمر رضي الله عنه : (حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوها قبل أن توزنوا، فإن أهون عليكم في الحساب غداً أن تحاسبوا أنفسكم اليوم، وتزينوا للعرض الأكبر، يومئذ تعرضون لا تخفى منكم خافية).
وقيل أيضاً : راقب أفكارك لأنها ستصبح أفعالاً، راقب أفعالك لأنها ستصبح عادات، راقب عاداتك لأنها ستصبح طباعاً، راقب طباعك لأنها ستحدد مصيرك.
ختاماً..
يقول علماء النفس: إن على الإنسان تحسين خطابه مع نفسه، والتحدث إليها بكلمات رقيقة وليست قاسية، وأن يكون الحوار مع النفس مهذباً سواءً فيما يتعلق بالشخص نفسه أو بالآخرين.
فالحوار والحديث مع النفس بطريقة صحيحة سليمة، هو المحرك الأساس الذي يجعلنا نتعامل مع العالم الخارجي بايجابية, ويمكننا من حل مشاكلنا بطرق سلمية وعقلانية.




